تُظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن امرأة واحدة من كل ثلاث تتعرض لعنف قائم على النوع الاجتماعي خلال حياتها، وأن ما بين 16% و58% من النساء والفتيات يواجهنَ عنفًا رقميّا. ففي الدول العربية، تعرّضت 60% من النساء لعنف رقمي خلال العام الماضي، بينما تشير البيانات إلى أن امرأة واحدة من كل عشرة تعرّضت للتحرّش الإلكتروني في الاتحاد الأوروبي. لذا، خلال حملة “الـ 16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي” الممتدّة من 25 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 10 كانون الأول/ديسمبر 2025، عاد العنف الرّقمي ضد النساء والفتيات إلى واجهة النقاش العالمي، تحت شعار “نتّحد لإنهاء العنف الرّقمي ضد جميع النساء والفتيات”. لتسليط الضوء على واقع لم يعد هامشيّا، حيث بات الفضاء الرقمي في كثير من الأحيان مساحة تهديد، خصوصًا للنّساء العاملات في المجال العام، وأبرزهنّ الصحافيات.

عندما يصبح العنف جزءًا من العمل الصحافي
العنف الرّقمي لا يتوقّف عند حدود الشاشة. رسالة، تعليق، صورة مسروقة، أو مقطع مُزيّف… كلّها قادرة على التحوّل سريعًا إلى حملة تشهير، أو تهديد مباشر، أو تؤدّي إلى انسحاب قسري من المجال العام. في السياق الإعلامي اللبناني، حيث تعمل الصّحافيات أصلًا تحت ضغط اقتصادي ومهني وأمني مُتراكم، يُصبح هذا النوع من العنف عامل استنزاف إضافي، لا يترك أثره نفسيّا واجتماعيّا فقط، بل ينعكس مباشرةً على المسار المهني. صحافيات يتوقّفن عن الكتابة بعد تلقّي تهديدات بالقتل، ناشطات يحذفن حساباتهن لحماية عائلاتهن، ونساءٌ يُدفعنَ إلى الصّمت أو مُغادرة المهنة. فالصّحافيات، فيُواجهن استهدافًا مضاعفًا، حيث 73% منهن تعرّضن لعنف رقمي، و20% تعرّضن أيضًا لعنف جسدي مرتبط به، خصوصًا عند تغطية قضايا النوع الاجتماعي، والسياسة، وحقوق الإنسان (بحسب اليونسكو، 2021). هذه الأرقام، حين تُقرأ، تَعني أنّ العنف لم يعُد استثناءً في حياة الصحافيات، بل تجربة مُحتملة ومُكرّرة، تتقاطع مع طبيعة عملهنّ، ومع ضعف الحماية القانونية والمؤسساتية.
في هذا السياق، برزت مبادرات تُحاول خلق مساحات آمنة للنقاش والتّعلّم. من بينها مبادرة StoryLab CONNECT: Gender 16، التي أطلقها برنامج الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي عبر شبكة “ميديا كونكت” وتمّ تنفيذها بنجاح في ثماني دول من بلدان جنوب البحر المتوسّط.

من الرؤية إلى التطبيق
في لبنان، نُظّمت مبادرة StoryLab CONNECT: Gender 16 في 3 كانون الأول/ديسمبر 2025، بتمويل من بعثة الاتّحاد الأوروبي إلى لبنان، حيث جمعت طالبات صحافة وصحافيات شابّات في بداية مسيرتهن المهنية، وذوات خبرة، إلى جانب فاعلات في المجتمع المدني، في يوم كامل خُصّص للتبادل والتعلّم واكتساب أدوات عملية.
في كلمتها الافتتاحية، شدّدت أليساندرا فييزر، رئيسة قسم التعاون في بعثة الاتحاد الأوروبي إلى لبنان، على أن “المساواة بين الجنسين قيمة أساسية في عمل الاتّحاد الأوروبي”، مؤكّدةً أن الأزمة الاقتصادية في لبنان ساهمت في تفاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي. وأشارت إلى أهمية كسر الصّمت المحيط بهذه القضايا، وضرورة الاعتراف بالعنف والتّصدي له، ودعم الناجيات، وتعزيز دور النساء في المشاركة السياسية وصنع القرار “إذ إن القوانين، وكذلك آليات تنفيذها، غالباً ما تُصاغ من قبل الرجال”.
هذه الرؤية شكّلت الإطار العام ليومٍ بُنيت جلساته بشكل تراكميّ، يبدأ من التّجربة الشّخصية، ويمرّ بالتحليل المهني، وصولًا إلى أدوات عملية للتعامل مع العنف.

نقاش “بقلب مفتوح”
افتُتح اليوم مع جلسة “بقلب مفتوح: تجارب وضغوطات”، أدارتها الصحافية اللّبنانية صبحيّة نجّار، خُصّصت لتكون مساحة آمنة تُشارك فيها الصّحافيات الحاضرات تجارب شخصية حسّاسة، عن التحرّش، والضغط، والصمت، وما يرافقهنّ في العمل الإعلامي من أذى غير مرئي. تقول الصحافية فاطمة البسام إن مثل هذه الجلسات “ضرورية للتعبير عمّا نواجهه”، فيما عبّرت الصّحافية ناهلة سلامة عن تمنّيها لو لم تنته الجلسة، مؤكّدةً أن النقاش كان يمكن أن يستمر لساعات، واصفةً إيّاه بمساحة للتفريغ “قد تُنقذنا من الانفجار”. أمّا بالنسبة لِنجّار، اعتبرت أن هذه الجلسات تلعب دورًا محوريًا في كسر الصّمت والتعزيز النفسي للصحافيات، كما “يجب البناء عليها وتكرارها بشكل دوري، لا التعامل معها كحدث عابر”.

من التجربة إلى الأسلوب: مقدّمة في الصّحافة البنّاءة
انتقل النقاش إلى دور الصّحافة نفسها، في جلسة تفاعلية قادها الصحافي أحمد أبو حمدان، بصفته عضو في شبكة “ميديا كونكت”، جرى التوقّف خلالها عند سؤال مركزي: كيف يُمكن تغطية العنف القائم على النوع الاجتماعي دون تكريس اليأس؟
طرحت الجلسة الصّحافة البنّاءة كمنهجية لا تتجاهل الأخبار السلبية، بل تضعها في سياق أوسع. ولم تبقَ الجلسة في الإطار النظري، فمن خلال مثال تطبيقي وتمرين عملي على تحليل قصّة صحفية، ناقشت المشاركات كيف يمكن تحويل تغطية تقليدية إلى قصة بنّاءة. وقد تابعت أربعة منهنّ النقاش بشكل أعمق مع المدرّب بعد الجلسة، في مؤشر على اهتمامهنّ بتحويل المنهجية من مفهوم نظري إلى أداة قابلة للاستخدام اليومي.
هنا تُبدي الصحافية فانيسا كلاس إهتمامها بهذا النّهج البنّاء الذي “يعرض المشكلة، ولكن يضيء على الحلول”، فيما تشير الصحافية ماريا منصور إلى أن أهميته تكمن أيضًا في إبراز المحدّدات والتّحديات التي قد تعيق استمرارية هذه الحلول.

عن التكلفة النفسية غير المرئية للعمل الصحافي
للأسف فإنّ السير خلف القصص الحسّاسة وتغطيتها لا يمرّ من دون أثر. من هنا جاءت الجلسة الثالثة حول الصحة النفسية والاحتراق المهني، التي قادتها الدكتورة ماري لي وكيم من مركز IDRAAC المُشارك في الفعالية، وجرى تسليط الضوء على واقع الصّحافة كمهنة عالية المخاطر على الصحة النفسية، خصوصًا للصحافيات. أكدت وكيم أن ما تشعر به الصّحافيات هو “استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية”، مشدّدةً على أن التفاعل العاطفي مع القصص ليس ضعفًا، بل جزء من إنسانية العمل الصحافي. وناقشت الجلسة مفاهيم مثل إرهاق التعاطف، والأذى الأخلاقي، والتمييز بين الصدمة الثانوية واضطراب ما بعد الصّدمة، مع تقديم أدوات عملية لتعزيز المرونة النفسية والدعم بين الزميلات والزملاء داخل غرف الأخبار.
السلامة الرقمية لحماية المهنة والذات
مع الانتقال من الميدان إلى الفضاء الرقمي، غطّت الجلسة الأخيرة موضوع السّلامة الرقمية، بقيادة إيمان العبد من مركز بيروت لحرية الصّحافة التابع لمنظمة مراسلون بلا حدود، المشارك في الفعالية أيضًا. تناولت التهديدات الرقمية المُتزايدة التي تواجه الصّحافيات، وقدّمت أدوات عملية لإدارة كلمات المرور، وتفعيل المصادقة الثنائية، وتقسيم الحسابات، والتعامل مع التحرّش الإلكتروني. ترى العبد أن الصّحافيات يتعرّضن لاستهداف رقمي مضاعف غالبًا بهدف إسكاتهن، مؤكّدة أن الأمن الرّقمي “ليس ترفًا، بل شرط أساسي”، وأن حماية الصّحافيات رقميّا هي في جوهرها حماية لحرية الصّحافة نفسها.

أثرٌ يبدأ… ولا ينتهي هنا
أثبتت مبادرة StoryLab CONNECT: Gender 16 في لبنان أن المساحات الآمنة قادرة على فتح حوارات صريحة، وأن الصّحافيات يحتَجن إلى مقاربات تجمع بين الأخلاقيات، والصّحة النفسية، والسّلامة الرقمية. لكنها كشفت أيضًا حدود هذه المبادرات حين تبقى محصورة في إطار زمني ومكاني ضيّق، في ظل فجوة القوانين وتفاوت تطبيقها، إلى جانب نقص التمويل المُستدام القادر على تحويل هذه التجارب إلى مسارات طويلة الأمد. في هذا السياق، ترى الصحافية المتخصّصة في قضايا النساء والفئات المهمّشة ناهلة سلامة أن “كثيرًا من النساء لا يصمتن لأن العنف بسيط، بل لأن كلفة الكلام في مجتمع يلوم الضحية قد تكون أعلى من كلفة التعرّض للإساءة نفسها”، ما يجعل الصّمت نتيجة منظومة كاملة، لا خيارًا فرديًا.
من مساحات مثل StoryLab، يبدأ كسر الصمت، وتُزرع بذور فهم أعمق، قد لا تُثمر فورًا، لكنها تفتح طريقًا لا يمكن التراجع عنه. فربّما لا تُنهي هكذا مبادرات العنف الرقمي، لكنها تُعيد طرح ما هو أساسي في العمل الصحافي اليوم: كيف يُمكن للصّحافيات أن يَستَمرِرْنَ في المهنة، في ظل بيئة لا توفّر لهنّ الأمان الكافي؟ سؤالٌ يبقى مفتوح… مثل المعركة نفسها.
سوريا